جذور الحلم الاستاذ دكتور السيد محمد جادو - موقع حزب حكاية وطن الأخباري

اخر الأخبار

اعلان

اعلان

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

جذور الحلم الاستاذ دكتور السيد محمد جادو

الفصل الثاني

جذور الحلم

لا تنشأ الأحلام فجأة، ولا تولد الطموحات من فراغ، بل تمتد جذورها عميقًا في تربة الطفولة، حيث تتشكل الشخصية، وتُزرع المبادئ، ويبدأ الإنسان في رسم ملامح مستقبله دون أن يدرك ذلك.

في قرية المعدية، الواقعة على أطراف مدينة الإسكندرية، كانت البداية. هناك حيث يلتقي البحر بالأرض، وحيث يعيش الناس ببساطة وصفاء، تعلمت أول دروس الحياة. كانت الطبيعة من حولي مدرسة مفتوحة؛ البحر، والبحيرات، والمراكب، وحياة الصيادين، كلها كانت تدفعني إلى التساؤل: كيف تعمل الأشياء؟ ولماذا تحدث الظواهر؟ وكيف يمكن للعلم أن يفسر ما نراه كل يوم؟

ومنذ سنوات الدراسة الأولى، كان الشغف بالمعرفة يسبقني إلى الفصل الدراسي. لم يكن هدفي مجرد النجاح في الامتحانات، بل كنت أبحث دائمًا عن الفهم، وأجد متعة في اكتشاف المجهول. كانت كتب العلوم بالنسبة لي عالمًا مليئًا بالأسرار، وكل تجربة علمية كانت تفتح بابًا جديدًا للتفكير.

كبر الحلم معي عامًا بعد عام، حتى جاء اليوم الذي التحقت فيه بكلية العلوم بجامعة الإسكندرية. شعرت آنذاك أنني اقتربت خطوة من الطريق الذي طالما تمنيت السير فيه. لم تكن الدراسة سهلة، لكنها كانت ممتعة؛ ساعات طويلة بين المحاضرات والمعامل والكتب، صنعت أساسًا علميًا متينًا، وانتهت بالحصول على درجة البكالوريوس بتقدير امتياز.

لكن التخرج لم يكن نهاية الحلم، بل بداية مواجهة الواقع. فقد أدركت أن الشهادة وحدها لا تكفي، وأن التميز الحقيقي يحتاج إلى خبرة عملية، وبحث مستمر، وإرادة لا تعرف التوقف. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة، كان عنوانها: أن أتعلم كل يوم شيئًا جديدًا.

هذه القناعة أصبحت رفيقة الطريق طوال سنوات العمر. فلم يكن العلم بالنسبة لي وسيلة للحصول على وظيفة، بل رسالة ومسؤولية، ورسالة العلم لا تتوقف عند حدود المعمل أو الجامعة، وإنما تمتد إلى خدمة المجتمع، وحل المشكلات، وصناعة مستقبل أفضل.

اليوم، عندما أعود بذاكرتي إلى تلك السنوات الأولى، أدرك أن كل خطوة، مهما بدت صغيرة، كانت تمهد لما بعدها. وأن الطفل الذي كان يحدق في صفحة البحر متسائلًا، لم يكن يعلم أن رحلته ستقوده يومًا إلى عالم البحث العلمي، وتكنولوجيا النانو، والمؤتمرات الدولية، والعمل من أجل أن يصبح العلم قوة حقيقية في خدمة الإنسان.

لقد كانت جذور الحلم بسيطة، لكنها كانت عميقة... وكل شجرة عظيمة تبدأ ببذرة صغيرة آمنت بالحياة، ثم واجهت الرياح حتى أصبحت وارفة الظلال.

تابعونا 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اعلان