رحلة علم.. من قرية المعدية إلى آفاق البحث العلمي وتكنولوجيا النانو - موقع حزب حكاية وطن الأخباري

اخر الأخبار

اعلان

اعلان

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

رحلة علم.. من قرية المعدية إلى آفاق البحث العلمي وتكنولوجيا النانو

كتبت ايمان عمارة 
سلسلة مقالات للقصة الكامله لمعالى البروفسور الأستاذ الدكتور / سيد محمد جادو - عالم الكيمياء و النانو تكنولوجي

الفصل الأول

حين يصبح العلم رسالة

ليست كل الرحلات تبدأ من مدينة كبيرة أو من أسرة عريقة أو من ظروف استثنائية. فبعض الحكايات العظيمة تولد في قرية هادئة، ثم تشق طريقها بصبر وإصرار حتى تصنع أثرًا يتجاوز حدود المكان والزمان.

في قرية المعدية، إحدى ضواحي الإسكندرية، بدأت حكايتي. هناك كانت البدايات البسيطة، حيث تعلمت أول حروف المعرفة، واكتشفت أن الإنسان لا يملك أثمن من عقله، وأن العلم هو الطريق الوحيد القادر على تغيير حياة الفرد والمجتمع. كانت المدرسة أكثر من مجرد فصل دراسي، وكانت الكتب أكثر من صفحات تُقرأ؛ كانت نوافذ تُفتح على عالم أوسع، وأحلام تكبر عامًا بعد عام.

لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، ولم تكن النجاحات تأتي بلا عناء. فمنذ سنوات الدراسة الأولى أدركت أن التميز يحتاج إلى اجتهاد وصبر، وأن كل خطوة إلى الأمام تُبنى على ساعات طويلة من العمل والتحدي. لذلك كان الالتحاق بكلية العلوم بجامعة الإسكندرية محطة طبيعية لشغفي بالمعرفة، وهناك بدأت ملامح الحلم تتشكل بوضوح.

حصلت على درجة البكالوريوس بتقدير امتياز، لكنني اكتشفت مبكرًا أن الشهادة الجامعية ليست نهاية الطريق، بل هي بدايته الحقيقية. فالعلم بحر لا شاطئ له، وكلما ظن الإنسان أنه وصل، وجد أمامه آفاقًا جديدة تنتظر من يكتشفها.

قادني هذا الإيمان إلى العمل في شركة البتروكيماويات المصرية، حيث تعلمت أن المعمل ليس مكانًا لإجراء التحاليل فقط، بل هو مساحة للتفكير، والابتكار، والبحث عن حلول حقيقية تخدم الصناعة والبيئة والإنسان. وعلى مدار ثلاثة عشر عامًا، كانت كل تجربة، وكل تحليل، وكل نتيجة، تضيف لبنة جديدة في بناء خبرة علمية امتزجت فيها المعرفة الأكاديمية بالواقع العملي.

لكن شيئًا في داخلي كان يخبرني دائمًا أن الرحلة لم تبدأ بعد...

كان البحث العلمي هو النداء الذي لا يغيب، فكانت الماجستير أولى محطات هذا الطريق، ثم جاءت الدكتوراه لتفتح أمامي أبوابًا واسعة نحو عالم تكنولوجيا النانو، ذلك العالم الذي كان يومًا مجرد أفكار في الكتب، ثم أصبح واقعًا يحمل حلولًا لمشكلات معقدة في الصناعة والطب والطاقة والبيئة.

وخلال هذه المسيرة، كان شرف خدمة الوطن من خلال العمل بالقوات المسلحة المصرية محطة صنعت الكثير من الخبرة والانضباط، وأكدت أن دقة القياس وضبط الجودة ليست مجرد إجراءات فنية، بل مسؤولية وطنية تُبنى عليها الثقة والكفاءة.

وعندما عدت إلى شركة البتروكيماويات المصرية، لم أعد الشخص نفسه الذي غادرها. فقد أصبحت الخبرة أعمق، والرؤية أوضح، والمسؤولية أكبر، حتى تشرفت بتولي مواقع قيادية انتهت بمنصب مدير عام المعامل، حيث أدركت أن القيادة الحقيقية ليست إصدار الأوامر، بل بناء فرق عمل ناجحة، وصناعة كوادر قادرة على مواصلة المسيرة.

ثم جاءت محطة يظنها كثيرون نهاية الطريق... التقاعد.

لكنني لم أنظر إليها يومًا على أنها نهاية، بل رأيتها بداية جديدة أكثر حرية واتساعًا. فقد وجدت نفسي أعود إلى المعامل والجامعات، لا كموظف، بل كباحث وموجه ومحاضر، أشارك خبرتي مع الباحثين الشباب، وأواصل العمل على مشروعات علمية جديدة، مؤمنًا بأن المعرفة لا تتقاعد أبدًا.

ومع مرور السنوات، لم تعد رسالتي مقتصرة على البحث العلمي وحده، بل امتدت إلى نشر الثقافة العلمية عبر المحاضرات، والمؤتمرات، والبرامج التلفزيونية، وإعداد الدراسات، وتحكيم الأبحاث، والمشاركة في المؤتمرات الدولية، لأنني كنت على يقين بأن العلم إذا بقي حبيس المعامل فقد جانب جزءًا كبيرًا من رسالته.

واليوم، وبعد رحلة امتدت لعقود بين المعامل، والجامعات، والمصانع، والمؤتمرات، ما زلت أؤمن أن الطريق لم ينتهِ. فما زال هناك سؤال جديد ينتظر الإجابة، وفكرة تبحث عن تجربة، وباحث يحتاج إلى من يرشده، ووطن يستحق أن نبذل من أجله كل ما نملك من علم وخبرة.

وهنا  نستطيع ان نقول ان هذه الحكاية  و المسيرة هى

 شهادة على أن الإصرار يصنع المستحيل، وأن البحث العلمي ليس وظيفة، بل أسلوب حياة، وأن الإنسان يستطيع أن يترك أثرًا لا يزول، إذا جعل من العلم رسالة، ومن العمل عبادة، ومن خدمة الوطن هدفًا لا يتغير.

وهكذا تبدأ الحكاية... رحلة لم تكن غايتها الوصول إلى منصب أو لقب، بل كانت وما تزال رحلة بحث لا ينتهي، لأن أعظم الاكتشافات تبدأ دائمًا بسؤال... وأجمل الرحلات تبدأ بخطوة.

تابعونا لاستكمال باقى الحكاية 






هناك تعليق واحد:

اعلان