كتب: مصطفى فتحى
. محكمة العدل الإلهي تُكشف الحقائق
تخيل معي مشهداً لم ترَ العين مثله، ولم يخطُر على قلب بشر.. ساحة العرض الأكبر، يوم تُبدّل الأرض غير الأرض والسماوات. صمتٌ يخيم، وأبصارٌ شاخصة، وقلوبٌ واجفة.
هناك، تُفتح ملفات أعظم القضايا.. لكن أعجبها وأهيبها قضية تُعرض أمام *أحكم الحاكمين وأعدل العادلين: الله رب العالمين*.
*أطراف المحاكمة:*
1. *القاضي*: الله سبحانه، الذي ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. لا يحتاج بيّنة، ولا ينتظر شاهداً، فهو الشهيد على كل شيء.
2. *المتهم*: سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام، عبد الله ورسوله، كلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، نبيٌ من أولي العزم الخمسة.
3. *التهمة المنسوبة زوراً*: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116]
افتراء صنعه الغالون، وكذب خطّه المُحرّفون بعد رفع عيسى عليه السلام. اتهامٌ يمسّ جوهر دعوته.. التوحيد.
*فصل المرافعة: براءة تنطق بها العبودية*
لم يدافع عيسى عن نفسه بكلمات البشر، بل بمنطق العبد الخاشع لربه. بدأ بتنزيه الله قبل الرد:
﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾
"يا رب أنت منزّه عن الشريك والند.. وحاشا لعبدٍ ضعيف أن يتألّه أو يطلب العبادة لنفسه".
ثم يُقيم الحجة على المدّعين: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾
"إن كان صدر مني هذا الكلام فأنت تعلمه قبل أن أقوله.. فأنت تعلم السر وأخفى".
ويختم باعتراف العبودية الكامل: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾
أدب الأنبياء.. إثبات العلم المطلق لله، ونفيه عن نفسه إلا ما علّمه الله.
*شهادة الحق: رسالة واحدة من آدم إلى محمد*
بعد البراءة من التهمة، يُثبت عيسى عليه السلام أنه لم يحِد قيد أنملة عن منهج الأنبياء:
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 117]
هذه هي كلمة السر التي نادى بها نوح وقومه، وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين: "اعبدوا الله وحده لا شريك له".
ثم يُعلنها بكل وضوح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 117]
"أنا بلّغت وأديت.. والانحراف الذي وقع بعدي ليس مني، وأنت الرقيب على عبادك".
*الحكم: رحمة تسع كل شيء*
تكتمل المرافعة، ويأتي الحكم ممن بيده ملكوت كل شيء. حكمٌ لا يصدر إلا من إله رحيم عادل:
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]
لم يقل "إن تعذبهم فهم يستحقون" مع أنهم كفروا وبدّلوا.. بل فوّض الأمر لرحمة الله وعلمه وحكمته.
لهذا بكى النبي ﷺ حين قرأها، ورفع يديه ضارعاً: "اللهم أمتي أمتي" رواه مسلم. شفقة النبي على أمته امتدت حتى في أهوال المحشر.
*5 معانٍ عظيمة تخرج بها من المحاكمة*
1. *عدل الله لا يحابي أحداً*: حتى نبيه الكريم يُسأل ويُستنطق ليُقام الحق على الملأ.
2. *التوحيد خط أحمر*: كل الأنبياء اتفقوا عليه. من ادّعى غيره فقد كذب على الله ورسله.
3. *التبليغ أمانة*: عيسى شهد أنه بلّغ.. وكل داعية سيُسأل: هل بلغت؟
4. *تفويض الأمر لله قمة الأدب*: عيسى لم يطلب انتقاماً، بل ترك الحكم للعزيز الحكيم.
5. *الباطل مهما علا سيسقط*: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18]
*الخاتمة: يوم لا ينفع إلا الصدق*
في ذلك اليوم ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9] تنكشف النوايا، وتُعرض الصحائف، ويُنادى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119]
فإذا كان نبي الله عيسى يُسأل وهو البريء، فماذا نقول نحن المقصرين؟
يا لها من محاكمة.. القاضي فيها ربٌ رحيم، والمتهم نبيٌ كريم، والدعوى باطلة، والحكم رحمة، والغاية إظهار الحق.
اللهم اجعلنا من الموحدين الصادقين، واحشرنا تحت لواء سيد المرسلين ﷺ، وارزقنا شفاعة عيسى بن مريم وأمه الصديقة.
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]
خاطرة:
"محكمتك قبل محكمته"
وقفة مع النفس قبل أن تُعرض القضية الكبرى..
كل يوم تُعقد في قلبك "محاكمة صغرى". ضميرك قاضٍ، ونيتك متهم، وعملك شاهد.
قبل أن تُسأل أمام الله عن توحيدك: اسأل نفسك اليوم: لمن سجد قلبك؟ لمن خضعت جوارحك؟ هل دعوت غير الله ولو بكلمة "لولا فلان ما نجوت"؟
عيسى عليه السلام بُرّئ لأنه لم يقل إلا ما أُمر به. ونحن متى ننجو؟ حين لا ننطق ولا نعمل إلا ما أمرنا به ربنا.
لا تؤجل توبتك لموعد المحاكمة الكبرى.. فهناك لا عذر يُقبل، ولا دمعة تُغني.
طهّر صحيفتك الآن، وحدّ ربك الآن، وقل بصدق: "ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ".
فمن نجح في محكمة الدنيا مع نفسه، هوّن الله عليه محكمة الآخرة. ومن خسرها هنا، عزّ عليه النجاة هناك.
اللهم اجعلنا ممن إذا خلا بنفسه استحى منك، وإذا نطق ذكرك، وإذا عمل أخلص لك.. يا أرحم الراحمين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق