كتبت /ثريا حمدى عبدالله
نفق رفح معجزة صنعتها أيادي رجالٍ من نور، رجالٍ لا يعرفون المستحيل، وقفوا في وجه أقوى جيوش الأرض، وأمام عيون أميركا وبريطانيا وفرنسا، وصنعوا ما تعجز عنه الدول العظمى. هل تدرك ماذا يعني أن يمتد نفق بطول ٨ آلاف متر؟ ثمانية آلاف! يمكنك أن تعُدّها بلسانك وستتعب قبل أن تصل للنصف، فكيف بمن حفرها في قلب الأرض؟ وكيف بمن حمل ترابها، وصنع حجارتها، وبنى جدرانها وسقوفها تحت النار؟
جيش الاحـ.ـتلال نفسه قال إنه وجد داخله ٨٠ غرفة قيادة وإدارة. أيّ إرادةٍ هذه؟ أيّ رجال هؤلاء؟ هذا ليس عملًا بشريًا عاديًا… هذا حصاد سنوات طويلة من التعب، والغياب عن الأهل، وساعات الاختناق تحت التراب، وليالٍ كاملة بين الإغماء والاستمرار لأن التراجع خيانة، ولأن فلسطين تستحق.
تخيّل فقط كيف نزلوا إلى عمق ٣٠ مترًا… ثم ساروا أفقيًا في بطن الأرض. حرارة خانقة، أوكسجين قليل، رطوبة، انهيارات محتملة، ومع ذلك كانوا يحفرون، وحين يكتمل متر واحد فقط كانوا يكبّرون ويسجدون شكرًا. متر واحد كان بالنسبة لهم انتصارًا، فتحًا صغيرًا، خطوة نحو يوم سيأتي… يوم الطوفان.
حين منع العدوّ الأسمنت، هل توقّفوا؟ هل رفعوا الراية؟ أبداً. انتقلوا إلى مرحلة أقسى: تكسير حجارة البيوت المهدّمة، سحقها، صناعتها من جديد، حجارة ثقيلة تُحمل على الظهور، تُنقل سرًا إلى منطقة الحفر، ثم تُنزّل إلى الأعماق. هل تخيّلت كم حجر يحمل الرجل الواحد في اليوم؟ كم خطوة يمشيها؟ كم خطرًا يواجهه؟ ثم يبدأ البناء… سقف وجدران… بمواد بدائية، وبإيمانٍ يشقّ الصخر.
كل هذا تحت عيون طائرات التجسّس، والأقمار الصناعية الأميركية والبريطانية، والعيون الإلكترونية على الحدود. ومع ذلك لم يُكتشف شيء. لم يلتقط العدوّ صوتًا، ولا صورة، ولا ضوءًا واحدًا. كانوا يتحركون مثل الظلال، كأن الأرض تحميهم، وكأن الغيوم تخفي أنفاسهم.
أكثر من ٦٠٠ شهيـ.ـد ارتقوا خلال إعداد هذه الشبكة، ومئات الجرحى. كانوا يسقطون في صمت، بعيدًا عن الكاميرات. لم يكن يعرفهم أحد. لم يكن يبكيهم إلا رفاقهم. ومع ذلك ظهر حينها منافقون من بني فتح يتهمونهم بأنهم “يقتلون بعضهم بعضًا” وأنها “تصفيات داخلية”. لم يعرفوا أنها دماء إعداد… دماء إخلاص… دماء رجال يموتون من أجل أن يعيش وطن.
حتى جاء يوم الطوفان… يوم خرجت غزة من تحت الأرض لتضرب احتلالًا مدججًا بأقوى أسلحة العالم. ويوم رأى العالم جزءًا من الأنفاق قال بايدن — مجرم الحرب الأميركي — إنها مذهلة ويجب تدريسها في الأكاديميات العسكرية. الأكاديميات التي تخرّج قادة الجيوش صعقت أمام رجال تعلموا من سيرة سلمان الفارسي وخندق الأحزاب وبنوا بما تيسر لهم.
٦٠٠ كيلومتر من الأنفاق… أطول من شبكة أنفاق فرنسا التي احتاجت عشرات السنين لبنائها. وفرنسا دولة عظمى، أما غزة فهي مدينة محاصرة، بلا معدات، بلا مواد، بلا كهرباء، بلا هواء… ومع ذلك صنعت معجزة لا تُصدَّق.
ومع كل هذا… تُرِكوا وحدهم. العرب صامتون، والمسلمون منشغلون، والأنظمة خانعة، والقلوب باردة. وحدهم حفروا، وحدهم قاتلوا، وحدهم نزفوا، وحدهم صبروا، ووحدهم رفعهم الله بين الأمم، وأذلّ إسـ.ـرائيل في أعين العالمين.
نفق رفح ليس مشروعًا هندسيًا… نفق رفح آية من آيات الإيمان. صفحة من صفحات المجد. سيرة رجالٍ عاشوا تحت الأرض ليرفعوا راية فوق الأرض. رجال لا يعرفون الكسر، ولا يتقنون إلّا الصبر. رجال بنوا مدينة كاملة في الأعماق، ليحموا مدينة كاملة فوق التراب.
وسيكتب التاريخ — شاء العالم أم أبى — أنّ غزة صنعت أعظم شبكة أنفاق عرفتها حروب العصر الحديث… وأن رجالها كانوا أعظم من السلاح، وأصدق من السياسة، وأطهر من كل خطابات الخوف والخذلان.
الحمد لله رب العالمين.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق