كتب - محمود الطرابيهي
أولاً ما العواصف الشمسية؟
يمكن القول إنها نوع من أنواع الطقس الفضائي المتطرف من قبل الشمس، يحدث عندما تطلق الشمس "بلازما" شديدة السخونة على شكل توهجات ورياح. وبحسب الموسوعات العلمية الدولية، فإن العاصفة الشمسية هي اضطراب مؤقت في مجال الكرة الأرضية، والسبب في ذلك هو القدرة الشمسية. وتُسمى العاصفة الشمسية أيضاً، "العاصفة الجيومغناطيسية"، وهي مكوّن رئيس للطقس الفضائي، تسببها موجة اهتزاز رياح شمسية أو غيمة الحقل المغناطيسي التي تتفاعل مع حقل الأرض المغناطيسي.
وهنا تؤدي زيادة ضغط الرياح الشمسية إلى الضغط على الغلاف المغناطيسي بشكل أولي.
ويتفاعل حقل الرياح الشمسية المغناطيسي مع حقل الأرض المغناطيسي ويحول كمية متزايدة من الطاقة إلى الغلاف المغناطيسي.
و أخطر تلك العواصف التي عرفتها الكرة الأرضية، وفي مقدمها ما جرى في عام 1582 أي قبل خمسة قرون تقريباً.
القصة ترويها صحيفة "ديلي ميل" البريطانية، وجاء فيها أن سكان عشرات المدن الآسيوية والأوروبية لاحظوا ما يشبه "حريقاً هائلاً في السماء".
استمر هذا الأمر غير المفهوم وقتها لمدة ثلاثة أيام، وكان يشبه "العروض النارية في الأفق"، ولم يكن أحد يدري حقيقة ما حدث في ذلك الوقت، وكونه عاصفة شمسية ضخمة، وذلك قبل أن يدرك العلماء المعاصرون أبعاد تلك الظاهرة، ويستخدمون العواصف الشمسية للمساعدة في التنبؤ بالنشاط الشمسي المقبل.
بعد ذلك الحدث بنحو ثلاثة قرون ونيّف، وفي الأول من سبتمبر (أيلول) 1859، حدثت عاصفة شمسية ربما تُعد الأعنف في التاريخ المعاصر، إذ قد يكون هناك ما سبقها قبل آلاف السنين ولم يدوَّن من قبل الحضارات السابقة.
سُميت تلك الحادثة بـ"حادثة كارينغتون"، نسبة إلى العالم البريطاني ريتشارد كارينغتون، وشكّلت نقطة البداية لدراسة جديدة للطقس الفضائي. في ذلك الوقت، بدا وكأن السماء مشتعلة بالنيران وتكاد تحترق، وفي منتصف الليل، لاحظ الناس ما يشبه كرات نار كبيرة في وسط السماء.
ولاحقاً، قدّر العلماء أن تلك العاصفة قذفت الأرض بنحو مليار طن من مادة انبعاث كتلي إكليلي (إهليجي)، وأثارت الشفق القطبي فوق جزيرة كوبا بالقرب من الولايات المتحدة، وأضرمت النيران في محطات التليغراف.
ومع أوائل القرن العشرين، وتحديداً في 9 سبتمبر 1909، ضربت الأرض عاصفة أخرى قيل وقتها إنها من أعتى العواصف الشمسية التي عرفتها البشرية، لا سيما أنها أظهرت مستويات عنيفة من الاضطرابات المغناطيسية الأرضية، وتسببت بتداخل واسع النطاق في أنظمة التليغراف. وتظهر السجلات التاريخية أن العاصفة جاءت كموجة من الرياح الشمسية وارتبطت لاحقاً بخروج البلازما من بقعة شمسية نشطة، ووفقاً لسجلات يابانية، بدأ اللون الأزرق بالظهور أولاً، متبوعاً باللون الأحمر، وعطلت العاصفة اتصالات التليغراف في خطوط العرض المتوسطة إلى المنخفضة.
أما عام 1989، فشهد آخر عاصفة شمسية قوية في القرن العشرين، تسببت بانقطاع التيار الكهربائي لمدة تسع ساعات في كندا، وأغرقت ملايين الأشخاص في الظلام.
ويبقى التساؤل "ما أبعاد الخسائر التي يمكن أن تنجم عن العواصف الشمسية بشكل عام، والعاصفة المقبلة بنوع خاص؟".
الآثار الجيومغناطيسية للعواصف الشمسية
يبدو أن هنا بيت القصيد كما يقال، إذ إن الآثار المترتبة على تلك العواصف قد تكون كارثية بالفعل لإنسان القرن الحادي والعشرين، ذاك الذي يعيش في حالة من التواصل عبر العالم السيبراني. هنا ومن دون الإغراق في التفاصيل التقنية يمكن القول إن التيارات الكهربائية التي تولدها العواصف الشمسية، تضر بمعدات النقل الكهربائية أول الأمر، بخاصة المحولات، فهي تجعل قلبها مشبعاً مغناطيسياً وتقيّد أداءها، كما تجعل لفائف وقلب المحول عرضةً للتسخين، وفي الحالات القصوى يمكن للحرارة الزائدة أن تدمرها، أو تحفز سلسلة ردود أفعال ترهق المحولات في نهاية المطاف.
إلا أن بحثاً علمياً صدر عن جامعة كاليفورنيا الأميركية أخيراً، عنوانه "العواصف الشمسية الخارقة: التخطيط لنهاية الإنترنت في العالم"، يثير الهلع في النفوس، وبخاصة مع معرفة الترابط الكوكبي عبر الشبكة العنكبوتية التي تقوم في الأصل على التواصل الرقمي، الذي يُستخدم في خدمة سلاسل التوريد العالمية وطرق النقل والمواصلات، عطفاً على الوصول إلى نظام تحديد المواقع العالمي (جي. بي. أس).
البحث المقدم من قبل سانجيثا جيوتي، من جامعة كاليفورنيا، يظهر أن الأضرار الناجمة عن العاصفة الشمسية التالية، قد تكون كارثية، لا سيما على الكابلات البحرية التي تدعم شبكة الإنترنت العالمية.
الأمر الآخر الأكثر إثارة للخوف هو قدرة تلك العواصف على التأثير في الأقمار الصناعية في الفضاء الخارجي، التي تكاد تكون البشرية مدنياً وعسكرياً متعلقة بها، ويكفي تخيل تدمير نظام الـ"جي. بي. أس"، لمعرفة مدى الأكلاف التي يمكن أن تدفعها الإنسانية من جراء تلك العواصف.
والأكيد هو أن فجوة المعلومات عن العواصف الشمسية، غالباً ما تأتي من نقص البيانات، فالعواصف الشمسية نادرة الحدوث، والتاريخ العلمي الحديث لا يحفل إلا بثلاث حوادث أتينا على ذكرها مقدماً.
المهم...هو أننا لا نمتلك كثيراً من الخبرة في التعامل مع العواصف". ويضيف "هناك بعض الناس يعتقدون أن الاضطراب المغناطيسي الأرضي سيكون وفق سيناريو كارثي، وهناك آخرون يعتقدون أنه سيكون أقل من حدث كبير. أنا أعتقد أنه شيء نرغب بالتأكيد في الاستعداد له، وكنت أعمل على تطوير أدوات لتقييم المخاطر، ولكن مع ذلك هناك كثير من الأشياء الأخرى التي تحدث في الصناعة وتُعد مهمة وذات أولوية أيضاً".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق